محمد بن جرير الطبري

86

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يجرمنكم : لا يكسبنكم شنآن قوم . وتأويل قائل هذا القول قول الشاعر في البيت : جرمت فزارة : كسبت فزارة أن يغضبوا . قال : وسمعت العرب تقول : فلان جريمة أهله ، بمعنى : كاسبهم ، وخرج يجرمهم : يكسبهم . وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه متقاربة المعنى وذلك أن من حمل رجلا على بغض رجل فقد أكسبه بغضه ، ومن أكسبه بغضه فقد أحقه له . فإذا كان ذلك كذلك ، فالذي هو أحسن في الإبانة عن معنى الحرف ، ما قاله ابن عباس وقتادة ، وذلك توجيههما معنى قوله : ولا يجرمنكم شنآن قوم : ولا يحملنكم شنآن قوم على العدوان . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار : ولا يجرمنكم بفتح الياء من : جرمته أجرمه . وقرأ ذلك بعض قراء الكوفيين ، وهو يحيى بن وثاب والأعمش ، ما : حدثنا ابن حميد وابن وكيع ، قالا : ثنا جرير ، عن الأعمش ، أنه قرأ : ولا يجرمنكم مرتفعة الياء من أجرمته أجرمه وهو يجرمني . والذي هو أولى بالصواب من القراءتين ، قراءة من قرأ ذلك : ولا يجرمنكم بفتح الياء ، لاستفاضة القراءة بذلك في قراء الأمصار وشذوذ ما خالفها ، وأنها اللغة المعروفة السائرة في العرب ، وإن كان مسموعا من بعضها : أجرم يجرم ، على شذوذه ، وقراءة القرآن بأفصح اللغات أولى وأحق منها بغير ذلك ومن لغة من قال : جرمت ، قول الشاعر : يا أيها المشتكي عكلا وما جرمت * إلى القبائل من قتل وإبآس القول في تأويل قوله تعالى : شنآن قوم . اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعضهم : شنآن بتحريك الشين والنون إلى الفتح ، بمعنى : بغض قوم توجيها منهم ذلك إلى المصدر الذي يأتي على فعلان نظير الطيران ، والنسلان ، والعسلان ، والرملان . وقرأ ذلك آخرون : شنآن قوم بتسكين النون وفتح الشين ، بمعنى الاسم توجيها منهم معناه إلى : لا يحملنكم بغض قوم ، فيخرج